الشيخ محمد رشيد رضا
135
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
3 - وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ العفو عن الناس هو التجافي عن ذنب المذنب منهم وترك مؤاخذته مع القدرة عليها وتلك مرتبة في ضبط النفس والحكم عليها وكرم المعاملة قل من يتبوأها فالعفو مرتبة فوق مرتبة كظم الغيظ إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد وضغينة 4 - وهناك مرتبة أعلى منهما وهي ما أفاده قوله عز وجل ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) فالاحسان وصف من أوصاف المتقين ولم يعطفه على ما سبقه من الصفات بل صاغه بهذه الصيغة تمييزا له بكونه محبوبا عند اللّه تعالى - لا لمزيد مدح من ذكر من المتقين المتصفين بالصفات السابقة ولا مجرد مدح المحسنين الذي يدخل في عمومه أولئك المتقون كما قيل - فالذي يظهر لي هو ما أشرت اليه من أنه وصف رابع للمتقين كما يتضح من الواقعة الآتية : يروى أن بعض السلف غاظه غلام له فجأة غيظا شديدا فهم بالانتقام منه فقال الغلام « والكاظمين الغيظ » فقال كظمت غيظي . قال الغلام « والعافين عن الناس » قال عفوت عنك . قال « وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » قال اذهب فأنت حر لوجه اللّه . فهذه الواقعة تبين لك ترتب المراتب الثلاث 5 - ( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ؟ ) الفاحشة الفعلة الشديدة القبح ، وظلم النفس يطلق على كل ذنب ، قال البيضاوي « وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ولعل الفاحشة ما تتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك » وذكر اللّه عند الذنب يكون بتذكر نهيه ووعيده أو عقابه أو تذكر عظمته وجلاله وهما مرتبتان مرتبة دنيا لعامة المؤمنين المتقين المستحقين للجنة وهي أن يتذكروا عند الذنب النهى والعقوبة فيبادروا إلى التوبة والاستغفار - ومرتبة عليا لخواص المتقين وهي أن يذكروا إذا فرط منهم ذنب ذلك المقام الإلهي الأعلى المنزه عن النقص الذي هو مصدر كل كمال ، وما يجب من طلب قربه بالمعرفة والتخلق الذي هو منتهى الآمال . فإذا هم تذكروا انصرف عنهم طائف الشيطان ، ووجدوا نفس الرحمن ، فرجعوا اليه طالبين مغفرته ، راجين رحمته ، ملتزمين سنته ، واردين شرعته ، عالمين أنه لا يغفر الذنوب سواه ، وأنه يضل من يدعون عند الحاجة الا إياه ، لأن الكل منه واليه ، وهو المتصرف بسننه فيه